روحانيات

وقليل من عبادي الشكور

شارك مع الجميع

مقدمة

في مرة من المرات قادني البحث في الإنترنت إلى مرض غريب ونادر إنه مرض الجاثوم أو شلل النوم، عافانا وإياكم منه، وهو مرض يهاجم الإنسان ويجعله يعاني من هلوسات، وكأن المريض نائم ومستيقظ في ذات الوقت. بدأت بالقراءة عن المرض والتعرف عليه، وقراءة ما يقوله المصابون به، حتى انتهى بي الأمر أحمد الله وأشكره أن عافاني من هذا المرض، وبتّ أحمد الله على أنني لا أنام جيدًا وأعاني من الأرق بسبب أطفالي الذين يستمرون في إيقاظي لمرات عديدة في الليل. يا الله ما أرحمك وأحلمك!

ولنا أن نتساءل هنا: هل نحن من القلة الشكورة، أم أخذتنا الدنيا وألهتنا عن الانتباه إلى نِعم كثيرة غمرنا الله بها؟

كيف يكون شكر الله على أنعمه

إن الشكر بحد ذاته نعمة أنعمها الله تعالى علينا، أن هدانا ووفقنا إليها، فشكر النعمة قيد لها واستزادة منها، قال الله تعالى ” لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ” [إبراهيم، الآية: 7].

أركان الشكر

وللشكر أركان ثلاث إن استوفاها العبد كُتب بإذن الله من الشاكرين، وهي:

  • الاعتراف بقلبه أن هذه النعمة هي من الله حصرًا وأن لا فضل لأحد غير الله عليه.
  • شكره عليها بلسانه ونسبها إليه وحده لا شريك له.
  • الحفاظ على النعمة بما يُرضي الله تعالى وعدم إهدارها. 

أجر الشكر هو نفسه أجر الصبر

وفي القرآن الكريم نجد قصتين إحداهما لنبي الله أيوب عليه السلام والذي ابتلي بماله وبدنه وعياله فكان مثالًا للصبر والرضى بقضاء الله، والأخرى لسيدنا سليمان عليه السلام والذي منّ الله عليه بنعم لم يحتبي بها أحدًا غيره، فكان مثالًا للعبد الشكور الممتن لأنعم الله عليه.

اقرأ أيضًا: كيف أشعر بالرضا عن حياتي

وصف سيدنا سليمان ووصف سيدنا أيوب عليهما السلام

وفي الوصف القرآني لكلٍ منهما نرى، أن الله جل جلاله ذكر أيوب عليه السلام فقال عز وجل: “إنّا وجدناه صابرًا نعم العبد إنه أواب” وحين ذُكر سليمان عليه السلام قال الله تعالى: “ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أوّاب”. أي أن كليهما اتصف بالصفة ذاتها في موضعين يناقض أحدهما الآخر.

وهنا يرى أحد الصالحين أنّه بالرجوع إلى هاتين الآيتين فإن أجر الصبر وأجر الشكر واحد. لذلك على العبد ألّا يأمن مكر الله وأن يواصل شكر الله وحمده على نعمه دقها وجلها وألا يكلّ ولا يملّ من الحمد فله حينها أجر الصبر، وعليه ألّا يطلب الابتلاء من الله بتاتًا، وأن يواظب على الحمد وبذلك قد يجنب نفسه الابتلاءات التي تأتي لتمسح الذنوب وتدفع العبد للتوبة والأوبة، فلمَ لا تكن أوّابًا بحمد الله وشكره؟!

أهمية الحمد والشكر

في الحمد والشكر قيد للنعمة واستزادة منها، وبهما يدخل الشاكر قائمة المؤمنين وقائمة القلة الشاكرة ويا لها من منزلة عظيمة! وهي منزلة تنفعه في دنياه وأخراه، ففي الآخرة يكافئ الله عبده الشكور بالأجر والجزاء العظيم قال الله تعالى” وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ” [آل عمران، الآية: 145]، وهي منزلة تزحزحه عن النار فينال رضى الله تعالى، وأي رضىً أفضل من رضاه عز وجل.

لماذا تأخذنا الحياة وننسى الشكر

بالفعل الكثير منا تأخذه مشاغل الحياة فينسى شكر الله وتقدير نعمه، بل ويغفل عنها نهائيًا، فما الأسباب التي تجعلنا ننسى الشكر وأهميته؟

الغفلة عن النعمة

وهي النعم المستمرة، والتي لاستمرارها غفل الناس عنها، كنعمة الشمس والقمر وكيف أنهما يتحركان بتوازن دقيق لو اختل قليلًا لفنيت الأرض بمن فيها، وكذلك نعمة اختلاف الليل والنهار، فكيف لو كان كل يومنا نهارًا أو كان ليلًا سرمدًا، ونعمة الهواء والماء، وتسخير الأرض ومواردها للإنسان للاستفادة منها كالثروات النباتية والحيوانية.

قال تعالى” {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}” [سورة يس].

الجهل بالنعمة وقدرها

وفي هذا قال بعض الصالحين “النعمة من الله على عباده مجهولة فإذا فقدت عرفت”. 

ومن النعم التي ننسى بالفعل شكر الله عليها هي نعمة البصر مثلًا والتي لا يشعر بأهميتها وقدرها إلا من فقدها، وكذلك الحواس بشكل عام والقدرة على المشي والحركة والتنفس.

وقد يعود ذلك إلى قصر الناس النعمة على المال والمأكل والمشرب، وفي هذا الصدد قال الحسن رضي الله عنه “من لا يرى لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قَصُر علمه وحضر عذابه.”

فالعقل وسلامته نعمة، وقلبك وسلامته نعمه، وزوجتك الصالحة وولدك الصالح نعمتان أيضًا، وكل ما حولك نعمة إن تفكرت وتبصرت فيها حزت الأجر العظيم في الدنيا والآخرة.

النظر إلى ما عند الآخرين

المقارنة بحد ذاتها عدو حقيقي للإنسان فهي تورث الغيرة والحسد والنقمة وعدم الرضى. فقد ترى ما تعاني منه محنة إلا أن الله أودع فيها منحة ما بعدها منحة قد تدركها الآن أو تدرك حكمتها في الآخرة.

لذا تجنب مقارنة نفسك بغيرك، وركز على أنعم الله عليك وواصل شكره عليها.

نسيان حالك السابق

فقد كنت مريضًا في وقت ما وأنعم الله عليك بالشفاء، وكنت فقيرًا في مرحلة ما فأنعم الله عليه بالغنى، وكنت أعزبًا فمنّ عليك وزوجك، وكنت ضالًا فهداك الله. قال الله تعالى “أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ (8)” [الضحى].

كيف أداوم على شكر الله تعالى

كما قلنا سابقًا المداومة على الشكر قيد للنعم وتكون المداومة على هذا النحو:

1) الشكر باللسان، والمداومة على ترديد كلمة الحمد لله.

2) سجود الشكر، والذي يمكنك تأديته فور سماعك لخبر سار، وعند دفع البلاء عنك مثلًا.

3) استخدام أنعم الله في طاعته ومرضاته، فمن كان عنده مال تصدق به وعاون المحتاجين، ومن كان عنده معرفة أفاد الناس بها، وهكذا.

4) شكر الناس من شكر الله تعالى، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى.

من أدعية الشكر

  • اللهم إن شكرك نعمة، تستحق الشكر، فعلّمني كيف أشكرك، الحمد لله كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك. 

  • الحمد لله رب العالمين خلق اللوح والقلم، وخلق الخلق من عدم، ودبر الأرزاق والآجال بالمقادير، وحكم وجمل الليل بالنجوم في الظُلَم. 

  • الحمد لله رب العالمين الذي علا فقهر، ومَلَكَ فقدر، وعفا فغفر، وعلِمَ وستر، وهزَمَ ونصر، وخلق ونشر. 

  • الحمد لله رب العالمين صاحب العظمة والكبرياء يعلم ما في البطن والأحشاء، فرّق بين العروق والأمعاء، أجرى فيهما الطعام والماء، فسبحانك يا رب الأرض والسماء. 

  • الحمد لله رب العالمين يُحب من دعاه خفيا، ويُجيب من ناداه نجيا، ويزيدُ من كان منه حيِيا، ويكرم من كان له وفيا، ويهدي من كان صادق الوعد رضيا. 

  • الحمد لله رب العالمين الذي أحصى كل شيء عددًا، وجعل لكل شيء أمدا، ولا يُشرك في حُكمهِ أحداً، وخلق الجِن وجعلهم طرائِق قِددا.

  • الحمد لله رب العالمين الذي جعل لكل شيء قدراً، وجعل لكل قدرِ أجلاً، وجعل لكل أجلِ كتاباً.

  • الحمد لله رب العالمين حمدًا لشُكرهِ أداءً ولحقهِ قضاءً، ولِحُبهِ رجاءً ولفضلهِ نماءً ولثوابهِ عطاءً. 

  • الحمد لله رب العالمين الذي سبحت له الشمس والنجوم الشهاب، وناجاه الشجر والوحش والدواب والطير في أوكارها كلُ ُ له أواب فسبحانك يا من إليه المرجع والمآب. سبحانك يا رب لا يُقال لغيرك سُبحان وأنت عظيم البرهان شديد السلطان لا يُعجزكَ إنسٌ ولا جان.

  • سبحانك يا رب اسمُك خير اسم وذكرُك شفاءُ للسُقم، حبُك راحةٌ للروح، والجسم فضلُكَ لا يحصى بعدٍّ أو عِلم.

  • سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. 

  • اللهم صلّ على نبينا مُحمد صاحب الكتاب الأبقى والقلب الأتقى والثوب الأنقى خير من هلّل ولبى وأفضل من طاف وسعى وأعظم من سبح ربهُ الأعلى. 

  • اللهم صل على نبينا مُحمد أزكى نسب وأعلى حسب وصفوة العرب. اللهم صل على نبينا مُحمد زينهُ ربُهُ وحلاه، وجعل طاعته طاعةً لله، ومن الخلق اصطفاه واجتباه، وفي القرآن الكريم ذكرهُ وناداه وأمرنا بالتسليم عليه والصلاة. 

  • اللهم صل عليه صلاةً تُرضيه به عنا وترضى بها عنا. اللهم إنا نسألُك باسمك الأعظم الطاهر المُطهر المبارك المكنون الذي إذا سُئلت به أعطيتنا وإذا دُعيت به أجبتنا وإذا استُرحمت به رحمتنا وإذا استفرجت به فرجت عنا. يا بر يا تواب يا رحمن يا رحيم يا فرد يا صمد يا الله يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. 

  • يا حنان يا منان يا حي يا قيوم يا من له الأسماء الحُسنى والصفات العُلى. اللهم لك نصلي ونسجُد وإليك نسعى، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجدّ بالكفارِ مُلحق، يا غفار الذنوب. 

  • اللهم اجعل القرآن العظيم زادنا وسندنا والسُنة المطهرة حبّنا ومددنا، واحفظنا من تفرُق كلمتنا واعصمنا من شتات أمرنا ولا تجعلنا فِرقًا وشيعاً، ولا تجعلنا فرقاً وشيعا نُخالف بعضنا واجعل صلاتنا للبلاء واقية، وللأمراض شافية، واجعل تلاوتنا للقرآن مُنجية، ومن النار كافية واجعل نفوسنا صافية وفى الآخرة راضية، يا من لا تضيع عنده الودائع. 

  • نسألك صحة بلا علل وإيمانًا بلا خلل وعملاً بلا جدل، ونعوذ بك من غرور الأمل والخطأ والزلل وضعف البدن، وضيق السُبل، ونعوذ بك من الأيام الدول.

  • اللهم أشرى بالإيمان في قلوبنا، والإحسان أرواحنا، وأصلح بهما أسماعنا وأبصارنا، وافتح لهما مسامع قلوبنا لنسمع نصيحتك ونحفظ وصيتك وننصر شريعتك. اللهمّ أعنا على دُنيانا بديننا، وعلى آخرتنا بتقوانا، وسع لنا الخير واصرف عنا الضُر فإنّ عزيمتك لا تُرد، وقولكَ لا يُكذَب ونعيمك لا ينفد، وانصر دين خير البري يا من إليه المشتكى.

تابعوا صفحتنا على الفيسبوك، وحسابنا على تويتر ليصلكم كل جديد!


شارك مع الجميع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *